أحمد بن محمد القسطلاني

398

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

وعمرو ، بفتح العين ( عن حميد بن نافع ) هو : أبو أفلح ( عن زينب بنت أبي سلمة ) أنها ( أخبرته ، قالت ) : ( دخلت على أم حبيبة ، زوج النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي : لما بلغها موت أبيها أبي سفيان ، كما مر . ( فقالت : سمعت النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول ) : ( لا يحل لامرأة ) كبيرة أو صغيرة ( تؤمن بالله واليوم الآخر ) هو من خطاب التهييج ، لأن المؤمن هو الذي ينتفع بخطاب الشارع وينقاد له ، فهذا الوصف لتأكيد التحريم لما يقتضيه سياقه ، ومفهومه أن خلافه مناف للإيمان ، كما قال تعالى : { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ المائدة : 23 ] فإنه يقتضي تأكيد أمر التوكل بربطه بالإيمان ، وقوله ( تحد ) بحذف أن الناصبة ورفع الفعل ، مثل : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه . ( على ميت فوق ثلاث ) من الليالي ( إلا على زوج ) أي : فإنها تحد عليه ( بأربعة أشهر وعشرًا ) . فالظرف متعلق بمحذوف في المستثنى دل عليه الفعل المذكور في المستثنى منه ، والاستثناء متصل ، إن جعل بيانًا لقوله : فوق ثلاث ، فيكون المعنى : لا يحل لامرأة أن تحد أربعة أشهر وعشرًا على ميت إلا على زوج ، أربعة أشهر وعشرًا . وإن جعل معمولاً لتحد مضمرًا ، فيكون منقطعًا أي : لكن تحد على ميت زوج أربعة أشهر وعشرًا . 1282 - ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا ، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ ، ثُمَّ قَالَتْ : مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ : لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا " . [ الحديث 1282 - طرفه في : 5335 ] . قالت زينب بنت أبي سلمة : ( ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها ) يحتمل ، على بعد : أن يكون هو عبيد الله ، بالتصغير ، الذي مات كافرًا بالحبشة بعد أن أسلم ، ولا مانع ، أن يحزن المرء على قريبه الكافر ، ولا سيما إذا تذكر سوء مصيره . أو هو : أخ لها من أمها ، أو : من الرضاع ، وليس هو أخوها عبد الله بفتح العين ، لأنه استشهد بأُحد ، وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدًّا ، ولا أخوها : أبو أحمد عبد ، بغير إضافة ، لأنه مات بعد أخته زينب بسنة ، كما جزم به ابن إسحاق وغيره . وقد استشكل التعبير : بثم ، المقتضية للعطف على التراخي والتشريك في الحكم والترتيب ، في قولها : ثم دخلت على زينب . إذ مقتضاه أن تكون قصة زينب هذه بعد قصة أم حبيبة ، وهو غير صحيح ، لأن زينب ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين على الصحيح . وأجيب : بأن في دلالة : ثم ، على الترتيب خلافًا ، ولئن سلمنا ضعف الخلاف ، فإن ثم هنا لترتيب الأخبار لا لترتيب الحكم ، وذلك كما تقول : بلغني ما صنعت اليوم ، ثم ما صنعت أمس أعجب ، أي : ثم أخبرك بأن الذي صنعته أمس أعجب . ( فدعت ) أي : زينب بنت جحش ( بطيب فمست ) زاد أبو ذر : به ، أي : شيئًا من جسدها ( ثم قالت : ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، على المنبر ) زاد أبو ذر : يقول : ( لا يحل لامرأة ، تؤمن بالله واليوم الآخر ، تحد ) بحذف أن والرفع ( على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا ) وهذا الحديث هو العمدة في وجوب الإحداد على الزوج الميت ، ولا خلاف فيه في الجملة ، وإن اختلف في بعض فروعه . واستشكل بأن مفهومه : إلا على زوج فإنه يحل لها الإحداد ، فأين الوجوب ؟ وأجيب : بأن الإجماع على الوجوب ، فاكتفي به ، وأيضًا فإن في حديث أم عطية النهي الصريح عن الكحل ، وعن لبس ثوب مصبوغ ، وعن الطيب . فلعله سند الإجماع . وفي حديث أم سلمة عند النسائي ، وأبي داود ، قالت : قال النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفر من الثياب . . . الحديث . وظاهره أنه مجزوم على النهي . وفي رواية لأبي داود : لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج ، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرًا فهذا أمر بلفظ الخبر إذ ليس المراد معنى الخبر ، فهو على حد قوله تعالى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ } [ البقرة : 228 ] والمراد به الأمر اتفاقًا والله أعلم . 32 - باب زِيَارَةِ الْقُبُورِ ( باب ) مشروعية ( زيارة القبور ) وسقط الباب والترجمة لابن عساكر . 1283 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ : " مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ : اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي . قَالَتْ : إِلَيْكَ عَنِّي ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي وَلَمْ تَعْرِفْهُ . فَقِيلَ لَهَا : إِنَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَتَتْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ ، فَقَالَتْ : لَمْ أَعْرِفْكَ . فَقَالَ : إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى " . وبالسند قال : ( حدّثنا آدم ) بن أبي إياس ، قال ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج قال : ( حدّثنا ثابت ) البناني ( عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، قال ) : ( مر النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بامرأة تبكي عند قبر ) زاد في رواية يحيى بن أبي كثير ، عند عبد الرزاق : فسمع منها ما يكره ، أي : من نوح أو غيره ، ولم تعرف المرأة ولا صاحب القبر ، لكن في رواية لمسلم ما يشعر بأنه ولدها ، ولفظه تبكي على صبي لها ، وصرح به في مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور ، ولفظه قد أصيبت بولدها . ( فقال ) لها